سورةِ الإخلاص والتعمُّقِ في شؤونِ عقيدة التوحيد

مثالٌ يُقرِّب لنا الفكرة عن التعمُّقِ في شؤونِ عقيدة التوحيد.

سأقفُ عند سورةِ الإخلاص:

السورةُ تبدأُ: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ"؛ البسملةُ في كُلِّ سورةٍ، لكنَّني أتحدَّثُ عن بسملةِ سُورةِ الإخلاصِ هنا، هذهِ البسملةُ مضمونها هو إجمالُ تفاصيلِ ما في السورة، مثلما البسملةُ في سُورة الحمد، في سورة الفاتحة تُمثِّلُ إجمالاً للتفاصيلِ الموجودةِ في مضمونِ سورة الفاتحة، كذاكَ هيَ بسملةُ سورة الإخلاص إذا أردتُ أن أدخلَ في تفاصيلها فإنَّها تُمثِّلُ لنا إجمالَ كُلِّ تفاصيلِ سورة الإخلاص، وهذا الحالُ معَ كُلِّ بسملةٍ في كُلِّ سوَرِ القُرآن، إذاً البسملةُ في سورة الإخلاص هي إجمالٌ لكل التفاصيلِ الموجودةِ في مضمونِ وفحوى هذهِ السورة.

أنا لستُ بصددِ الحديثِ عن تفاصيلِ تفسيرها وتأويلها، إنَّما أضربُ لكم مثالاً تقريبيَّاً يُقرِّب الفكرة عندكم عن معنى التعمُّقِ في شؤونِ عقيدة التوحيد، وأخذتُ سورة الإخلاصِ مثالاً لأجلِ تقريبِ الفكرةِ عن هذا التعمُّق.

بعد البسملةِ: "قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد"؛ هذهِ (قُلْ) ليست أمراً بالقول اللفظي، هذا الأمرُ موجَّهٌ إلى أعظمِ مخلوقٍ خلقهُ الله؛ (إنَّها الحقيقةُ الـمُحَمَّديَّة)، هذا الأمرُ موجَّهٌ إلى الحقيقةِ الـمُحَمَّديَّة، فإنَّ أولى المخلوقاتِ الَّتي خلقها اللهُ سُبحانهُ وتعالى أن تكونَ ناطقةً بأعمق معاني التوحيد، لابُدَّ أن يصدقَ هذا المعنى بالدرجةِ الأولى على المخلوق الأوَّل على الحقيقة الـمُحَمَّديّة. و (قُلْ) ما هي بأمرٍ للقول اللفظي.

قُلْ؛ بمعنى (كُنْ)، بمعنى أنَّ أمراً صَدَرَ للحقيقةِ الـمُحَمَّديَّةِ تكويناً تجليَّاً.

أُقرِّب لكم الفكرة:

حين يقولُ إمامنا الصَّادقُ لنا: (كُوْنُوْا لَنَا دُعَاةً صَامِتِيْن)، هناكَ دعوةٌ بالكلامِ بالألفاظِ بالأقوالِ، الإمامُ حين يأمرنا: (كُوْنُوْا لَنَا دُعَاةً صَامِتِيْن)، ما المراد من ذلك؟ أنَّنا نقومُ بدعوةِ النَّاس إليهم، ولكن عبرَ ترجمةِ تلكَ الدعوةِ بأفعالنا، بمضمونِ شخصيّاتنا، بسلوكنا المميّزِ، فنحنُ هنا دُعاةٌ ودُعاةٌ حقيقيّونَ، لكن ليسَ بكلامٍ بأقوالٍ.

(قُلْ)؛ يا أيَّتُها الحقيقةُ الـمُحَمَّدية كوني كما أريد، إنَّني أريدكِ أن تتجلَّي بمعنى جمالي وجلالي، وهكذا كانت الحقيقةُ الـمُحَمَّديةُ مجلىً لجمالهِ وجلاله.

"قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد"؛ الَّذي تجلَّى في الحقيقةِ الـمُحَمَّديّةِ هو هذا؛ "قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد"؛ (هُوْ) عنوانٌ للغيب، بالنسبةِ لنا (اللإدراك)، حتَّى في العربيّةِ، في قواعدِ العربيّةِ فإنَّ هذا الضمير، هذهِ اللفظة هيَ ضميرُ شأنٍ لمن؟ للغائب.

الغيبُ؛ ما غاب عن إدراكنا، هذا هوَ الغيب.

مراتبهُ؛ لا تُعدُّ ولا تُحصى.

الضمير هنا (هُوْ)؛ يتحدَّثُ عن غيبِ الغيوبِ، عن الغيبِ في أقصى درجاتهِ، فــ(هُوْ) إشارةٌ إلى الغيبِ المطلق حيثُ اللإدراك بالنسبةِ لنا.

فهذا الغيب المطلقُ الَّذي هو اللإدراك بالنسبة لنا يُشار إليهِ بهذا العنوان: (هُوَ اللهُ).

(اللهُ)؛ إشارةٌ إلى الذَّاتِ الأولى إلى الغيبِ الأعلى إلى الهُويَّةِ الغائبة، إنَّها غائبةٌ عن عقولنا، غائبةٌ عن إدراكنا، (اللهُ) إشارةٌ إلى تلك الذَّات، بحسبنا.

"قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد"؛ (أَحَدٌ) هو المتفرِّدُ، ولا أجدُ ألفاظاً مُناسبةً كي أشرح هذه المفردة (المتفرِّدُ)، يمكنني أن أقول الَّذي لا شبيه لهُ، لا نَظيرَ لهُ، لا كُفو لهُ، لا نِدَّ لَهُ، والعبائرُ محدودةٌ قاصرةٌ أيضاً، هوَ أجلُّ، وأعظمُ وأنزهُ وأقدسُ من كُلِّ ذلك، الأحدُ المتفرِّدُ.

"قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد"؛ هذه المضامينُ أشرقت وتجلَّت في الحقيقة الـمُحَمَّديَّة.

تستمرُ السورةُ الكريمةُ:

"اللهُ الصَّمَد"؛ (الصَّمَدُ) المقصودُ، فكُلُّ الأشياءِ صامدةٌ باتجاههِ، وُجودها من فيضهِ، بقاؤها من فيضهِ، نماؤها من فيضهِ، رُقيُّها من فيضهِ، اندثارها - والمرادُ من الاندثارِ هو انقطاعُ فاعليّتها في الوجود - اندثارها منهُ من فيضهِ أيضاً.

"لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ"؛ هذهِ أوصافُ الخلقيّاتِ الَّتي تجلَّت من المخلوقِ الأوَّل من الحقيقةِ الـمُحَمَّديَّة.

"لَمْ يَلِدْ"؛ الَّذي يَلِدُ هو فاعلٌ ومُنفعلٌ في الوقتِ نفسهِ، فحينما يَلِدُ هوَ فاعلٌ يفعلُ ولكنَّ هذا الَّذي فعلهُ هو نِتاجٌ من انفعالٍ سبقَ هذا الفعل، فهناكَ من أثَّر فيهِ من سَبَّب لهُ ذلك، ولا أتحدَّثُ عن الذكورِ والإناث، إنَّما أتحدَّثُ عن مُطلقِ معاني الولادة في كُوننا وفي وُجودنا المادي هذا، التوالُدُ ليسَ فقط بين الأزواجِ من الذكورِ والإناث التوالد حتَّى في الجمادات، ما بين المركباتِ والعناصرِ والمعادن، التوالدُ في كُلِّ جُزءٍ من أجزاءِ كوننا هذا.

فالَّذي يَلِدُ؛ هو الفاعلُ المنفعلُ، هو أيضاً مُنفعلٌ، مُنفعَلٌ بما هو أقوى تأثيراً وأقوى فِعلاً، من مراتبِ الموجوداتِ الأخرى.

"وَلَمْ يُولَدْ"؛ المولودُ منفعلٌ وليسَ فاعلاً في لحظةِ الولادةِ، إنَّهُ مُنزَّهٌ عن صفاتِ كُلِّ الخلقيّات.

الحقيقةُ الـمُحَمَّديَّةُ؛ خلقها بنفسها.

أمَّا الخلقياتُ الأخرى؛ فقد خلقها بالحقيقة الـمُحَمَّدية،

فهذهِ الأوصافُ أوصافُ الخلقيّات.


المجموع :2347

العنوان الطول روابط البرنامج المجموعة الوثاق